علي بن أحمد المهائمي
71
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
كالشبح المستوي فباعتبار انتظام بعض أجزائه ببعض ، وإفاضة الأرواح الغير الإنسانية على الأجسام مثل انتظام أمر المركبات العنصرية مستوية المزاج ، وإفاضة الأرواح المناسبة لها ، وأما كونه لا روح فيه مع ذلك فباعتبار عدم ما هو المقصود بالذات من خلقه ، وهو الكون الجامع لظهورات الأسماء والصفات على نهج الاجتماع كما كان في الذات . وإنما أوجد الحق العالم قبل كذلك ؛ لأن الجمعية تفتقر إلى الأجزاء ، فأوجد أجزاء العالم ؛ ليكون كالأجزاء لتلك الجمعية ، ويكون العالم كالبدن الجامع للأجزاء ، وتكون الجمعية بمنزلة الروح للبدن ، إذ هذه الجمعية هي المقصودة ؛ لأن المعرفة التامة المقصودة من خلق العالم لا تحصل بدونها ، إذ لا يعرف أحد ما ليس فيه ( فكان ) العالم قبل آدم كمرآة غير مجلوّة ، أما كونه كالمرآة فلشموله على صور الأسماء بحيث تصح إفاضة روح الجمعية عليها شمول المرآة على الأجزاء القابلة لفيضان صور الأشياء عليها ، وأما كونه ( كمرآة غير مجلوّة ) « 1 » ؛ فلأنه وإن ظهر في بعض أجزائه الأرواح المناسبة لها لم تظهر فيه الروح المقصود بالذات الذي هو صورة الجمعية الإلهية . ( ومن شأن الحكم الإلهي ) وهو القضاء الأزلي الذي أعطى كل شيء خلقه أي : قدر لكل مستحق حقه ( أنه ما سوى محلا ) أي : ما سوى مزاج شيء من الفلكيات أو العنصريات ( إلا ولا بدّ أن يقبل روحا إلهيّا ) أي : فائضا من جنابه بحسب ما يليق بذلك المحل كالقوى المعدنية والنباتية والحيوانية ، فكذلك العالم إذا تم تسويته لم يكن له بد من قبول الروح المقصود من خلقه ، وهو الإنسان الكامل ( عبّر عنه ) أي : عن ذلك الحكم الإلهي بإفاضة الروح اللائق بالمحل ( بالنفخ ) أي : بنفخ الإله الروح ( فيه ) ؛ لأن حصل له من النفس الرحماني الذي تنفس به عن آثار الأسماء التي كانت فيها بالقوة ، فكانت تلك الآثار قبل ظهورها المطلوب للأسماء كالكرب لها فأخرجها عن الباطن إخراج الهواء عنه دفعا لذلك الكرب . وبهذا أول قوله تعالى : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [ الحجر : 29 ] ، وذلك لتعذر النفخ الحقيقي ، وهو إخراج الهواء عن جوف النافخ إلى محل الاشتعال ، فالمراد إفاضة الروح الموجب اشتعال المحل بنوره المشابه للنار في التأثير والإشراق . [ وما هو إلّا حصول الاستعداد من تلك الصّورة المسوّاة لقبول الفيض التّجلّي الدائم الّذي لم يزل ولا يزال ، وما بقي ثمّة إلّا قابل ، والقابل لا يكون إلّا من فيضه
--> ( 1 ) قال رضي اللّه عنه : غير مجلوّة أراد بعدم جلائها احتجابها بذاتها ، فلا ترى نفسها إلا بعين الاتحاد لا بعين الامتياز ، فأوجد آدم على صورة الكون : أي جميع الكائنات غيبا باطنا وظاهرا شهادة ؛ ليقابل بغيبه الغيب ، وبشهادته الشهادة ليتجلّى له بجميع الأسماء ، فافهم .